الحارث المحاسبي

173

الرعاية لحقوق الله

وأعطاه ، وفي معصيته التي كان عليها مقيما ، فوعد ربّه إن بلغه ذلك الأجل ليتوبنّ إليه ، فبلغه فلم يقلع عن ذنبه ، فازداد غدرا وخلفا لما وعد ربّه جل وعلا ؛ لأنه وعد ربّه إن بلغ الوقت الذي أجل توبته إليه لينزعنّ عن ذنبه إليه ولا يعود إلى ما كره اللّه ، وأخلف الوعد وأصر على الذنب . والخلّة الثالثة : أن يبلغ إلى الوقت الذي سوّف إليه التوبة ، فيمنّ عليه بالتوبة فيتوب إلى مولاه عزّ وجل ، فهذا خير أحواله فلن ينفك - وإن تاب إلى ربه - من ضرر التسويف ؛ إذ لا نجاة له من اللّه عزّ وجل ، أن يقفه ويسأله عن ذنبه وإصراره عليه أيام تسويفه ، وإن لقيه تائبا مغفورا له فلابد أن يسأله عن تلك الأيام التي كان فيها مذنبا مصرا ، إلى أن بلغ وقت التوبة الذي سوّف التوبة إليه ، فكأنه عبد قيل له : تب إلى اللّه عز وجل ، واترك المعاصي ، فقال : أنا تائب لا محالة وتارك لذاتي ، إلّا أني مقيم على الذنب إلى وقت كذا وكذا ، ليكون أيام تأخيري للتوبة إلى ذلك الوقت عليّ فيه المسألة والتوقيف من اللّه عز وجل ، فهذا مثله أن لو قال هذا ما كان إلا كمعناه في تأخير التوبة ، لأنه إن كانت نفسه قد سخت - صادقة - بترك لذاتها إذا جاء الأجل الذي أجّله للتوبة ، فكيف لا يدع لذّته من الآن فلا يكون عليه السؤال في أيام تأجيل التوبة ، إذ هو تارك للذة عاجلا أو آجلا ، منغّص على نفسه لذّتها ، فتركها بزوال السؤال عنه أولى من تركها باكتساب كثرة السؤال ، فإذا كان تاركا لذّته لا محالة ، فليربح زوال السؤال عنه من اللّه عز وجل أيام الإصرار ، فليوبّخ نفسه على ذلك إن كان الأمر على ما ذكرت . وكيف له بهذه الحال ، أخاف أن يكون أحد الحالين الآخرين أغلب عليه ، فأحد الأحوال الثلاثة لا يقيم معها عاقل على التسويف ، إذا وبّخ نفسه عليها